الشيخ محمد رشيد رضا
189
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
دينا كما اتخذوا كثيرا من آراء الفقهاء ( راجع تفصيل ذلك في ص 200 وما بعدها من جزء التفسير الرابع أو في المنار ) فالامر الذي لا ريب فيه ان اللّه تعالى هدانا إلى أفضل وأكمل الأصول والقواعد لنبني عليها حكومتنا ونقيم بها دولتنا ووكل هذا البناء الينا فأعطانا بذلك الحرية التامة والاستقلال الكامل في أمورنا الدنيوية ومصالحنا الاجتماعية . وذلك أنه جعل أمرنا شورى بيننا ينظر فيه أهل المعرفة والمكانة الذين نثق بهم ويقررون لنا في كل زمان ما تقوم به مصلحتنا وتسعد أمتنا لا يتقيدون في ذلك بقيد الا هداية الكتاب العزيز والسنة الصحيحة المبينة له وليس فيهما قيود تمنع سير المدنية أو ترهق المسلمين عسرا في عمل من الاعمال ، بل أساسهما اليسر ، ورفع الحرج والعسر ، وحظر الضار ، وإباحة النافع ، وكون ما حرم لذاته يباح للضرورة ، وما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة ، ومراعاة العدل لذاته ، ورد الأمانات إلى أهلها ، ولكننا ما رعينا هذه الهداية حق رعايتها فقيدنا أنفسنا بألوف من القيود التي اخترعناها وسميناها دينا ، فلما أقعدتنا هذه القيود عن مجاراة الأمم في المدنية والعمران صار حكامنا الذين خرجوا بنا عن هذه الأسس والأصول المقررة في الكتاب والسنة فريقين فريقا رضوا بالقيود واختاروا الموت على الحياة توهما منهم أنهم بمحافظتهم على قيودهم التقليدية محافظون علي الاسلام ، قائلين ان الموت على ذلك خير من الحياة باتباع غير المسلمين في أصول حكومتهم ، وفريقا رأوا انه لا بد لهم من تقليد غير المسلمين في قوانينهم الأساسية أو الفرعية ، فكان كل من الفريقين بجهله حجة على الاسلام في الظاهر ، والاسلام حجة عليهم في الحقيقة ، فكتاب اللّه حي لا يموت ، ونوره متألق لا يخفي ، وان جعلوا بينه وبينهم ألف حجاب ( 6 : 194 قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ) ليس بين القانون الأساسي الذي قررته هذه الآية على إيجازها وبين القوانين الأساسية لأرقى حكومات الأرض في هذا الزمان الا فرق يسير نحن فيه أقرب إلى الصواب وأثبت في الاتفاق منهم إذا نحن عملنا بما هدانا اليه ربنا : هم يقولون إن مصدر القوانين الأمة ونحن نقول بذلك في غير المنصوص في الكتاب والسنة كما قرره الإمام الرازي آنفا والمنصوص قليل جدا